أحمد بن محمود السيواسي
249
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة القصص ( 28 ) : آية 81 ] فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ ( 81 ) ( فَخَسَفْنا بِهِ ) أي بقارون ( وَبِدارِهِ الْأَرْضَ ) قيل : كان قارون يؤذي موسى عليه السّلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي كانت بينهما حتى نزلت الزكاة ، فصالحه عن كل ألف دينار على دينار ، وعن كل ألف درهم على درهم ، فجمعها فرآها عظيمة فمنعها من البخل لأنه استكثرها بعد الحساب ، وقال لبني إسرائيل : أن موسى يريد أن يأخذ أموالكم ، فقال : أنت كبيرنا فمربنا ما شئت ، فقال : نبرطل فلانة البغية حتى ترميه بنفسها ، فيرفضه بنو إسرائيل فجاؤوا بها وجعل قارون لها ألف دينار ، فأجابتهم فجمع قارون الناس يوم عيدلهم ، وقال لموسى : مرهم وانههم فقام موسى وقال : من سرق قطعناه ومن افترى جلدناه ومن زنى وهو غير محصن جلدناه وإن أحصن رجمناه ، فقال قارون : وإن كنت أنت قال إن كنت أنا فقال إن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة ، فقال : ادعوها فأحضرت فناشدها موسى بالذي فلق البحر وأنزل التورية أن تصدق فتداركها اللّه ووفقها ، فقالت : بل كذبوا أن قارون جعل جعلا على أن أقذفك بنفسي ، فخر موسى ساجدا يبكي ، وقال : يا رب إن كنت نبيا فاغضب لي فأوحى اللّه إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك ، فقال موسى : من كان مع قارون فليثبت معه ومن كان معي فليعتزل قارون ، فاعتزلوه كلهم إلا رجلين ، فقال : يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب ، ثم قال : خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ، ثم قال : خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق ، والحال أن قارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه باللّه وبالرحم ، وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه ، ثم قال : خذيهم فانطبقت عليهم « 1 » ، وهو معنى قوله « فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ » ، يعني بداره وأمواله فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل إلى يوم القيامة ( فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ ) أي لم يكن لقارون جند ( يَنْصُرُونَهُ ) أي يمنعونه ( مِنْ دُونِ ) أي من دون عذابه فأوحى اللّه إلى موسى ما أغلظ قلبك استغاثوا بك مرارا فلم ترحمهم وعزتي لو دعوني مرة واحدة لوجدوني مجيبا ( اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ ) [ 81 ] الممتنعين من عذابنا النازل به . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 82 ] وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ( 82 ) ( وَأَصْبَحَ ) أي حين رآه الناس كذلك تعجب ( الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ ) أي منزلته من الدنيا ( بِالْأَمْسِ ) أي بالوقت القريب منهم استعير له من اليوم الذي قبل يومك ، وتنبهوا على خطئهم فأصبحوا ( يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ ) أي يضيق ، « وي » كلمة تعجب ، تنبه على الخطأ يدخل على كان مخففة ومثقلة مفصولة من الكاف على الأصح ، والكاف للتشبيه أي تنبهنا على خطئنا ما أشبه الحال بأن اللّه يبسط الرزق ويقدر ( لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ ) أي لولا من اللّه ( عَلَيْنا ) بالإيمان ( لَخَسَفَ بِنا ) معلوما ومجهولا « 2 » ، فندموا على ما قالوه « يا ليت لنا » الآية ، ثم قالوا ( وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ) [ 82 ] تأكيد للندامة ، أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح كقارون وأصحابه . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 83 ] تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 83 ) قوله ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ ) تعظيم للجنة وتفخيم لشأنها أي التي سمعت وصفها ، مبتدأ ، خيره ( نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا ) أي بغيا وتكبرا عن الإيمان ( فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً ) أي عملا بالمعاصي ، قيل : « نزل في أهل التواضع » « 3 » ، يعني من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة ( وَالْعاقِبَةُ ) أي عاقبة الأمر وهي الاستقرار في الجنة ( لِلْمُتَّقِينَ ) [ 83 ] الذين يتواضعون للّه ويعملون عملا صالحا .
--> ( 1 ) وقد نقله المؤلف عن الكشاف ، 4 / 236 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 359 - 361 . ( 2 ) « لخسف » : قرأ يعقوب وحفص بفتح الخاء والسين ، وغيرهما بضم الخاء وكسر السين . البدور الزاهرة ، 243 . ( 3 ) عن علي رضي اللّه عنه ، انظر البغوي ، 4 / 362 .